معرفة

أنور الجندي يكتب: أحمد شوقي، أمير الشعراء، في ندواته

كان شوقي يتحدث مع رواد ندواته في كل شيء إلا الشعر والموت، وكان قلقًا؛ قد يفارق الندوة فجأة، وقد يعود وقد لا يعود..كيف كشفت مجالسه جانبًا خفيًا لشاعر جمع بين العبقرية والهشاشة؟

future صورة تعبيرية صنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي

—نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة العربي 01 مايو 1972

كانت لشوقي ندوات متعددة ومجالس كثيرة في محل الحلواني صولت أو جروبي، أو في منزله «كرمة ابن هانئ». وكانت الموائد تُقام في بيته مرات ومرات، وتضم أصدقاءه من الأدباء والكتاب والإعلام، وفي مقدمتهم عبد العزيز البشري، والدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور محجوب ثابت، وكامل كيلاني، وحافظ إبراهيم، والشيخ التفتازاني، وعبد الرحمن الجديلي، وفكري أباظة. وكثيرًا ما يحضر هذه الندوات أصدقاؤه من أدباء العرب وشعرائهم، ومنهم إسعاف النشاشيبي، وعبد العزيز الثعالبي، وكرد علي، والأخطل الصغير.

وفي هذه الندوات تدور أحاديث طويلة متعددة لها طابعها الخاص، أما في مجالسه في صولت أو جروبي فقد كان الأمر على خلاف ذلك، حيث يجتمع حول الشاعر الكبير بعض تلاميذه والمعجبين به من شباب الأدباء والشعراء، وفي مقدمتهم أحمد محفوظ وسعيد عبده.

وفي هذه المجالس كان كثير من شعراء الشباب يقبلون على شوقي فيحدثونه ويعرضون عليه شعرهم ويتلقون ملاحظاته وتوجيهاته، كما يحضر إليه أصحاب الصحف الصغيرة الذين كانوا يلتمسون عطاءه ويذودون عنه خصومه من النقاد، وكان يغدق عليهم ويقربهم، وفي مقدمة هؤلاء أحمد فؤاد صاحب «الصاعقة»، والشيخ فهيم صاحب «عكاظ».

أما هو فكان شديد الحرص على صداقة رؤساء تحرير الصحف اليومية الكبرى: عبد القادر حمزة «البلاغ»، والدكتور هيكل «السياسة»، وتوفيق دياب «الجهاد»، وداود بركات وأنطون الجميل «الأهرام». وكانت هذه الصحف تتنافس على إنتاجه وآثاره، فجريدة «السياسة» تعلن أنها تدفع خمسين جنيهًا عن كل قصيدة لشوقي إلى الجمعية الخيرية الإسلامية، وهيكل هو الذي قدم ديوان شوقي، وداود بركات هو الذي أطلق اسم «الشوقيات» على ديوان شوقي.

ندوات صحفية

وكان شوقي يتحدث عن كل شيء إلا عن الشعر، ولم يكن شوقي من المحدثين، بل كان رجلًا قلقًا، نحس في مجلسه أنه غائب عن الوعي، إلا من كلمات قليلة، ولكنه كان يسأل دائمًا عن كل جديد في عالم الأدب والفكر، ولا يفوته شيء مما تنشره الصحف، وكان غيورًا على شعره، يكره النقد، ولا يرى مانعًا من استرضاء خصومه وتحويلهم إلى أصدقاء.

ولكن الريح لم تكن تمضي رخاءً حتى يقع من الأحداث ما يثير الخلاف من جديد، وكانت علامات الرضا وعلامات الجزع تبدو واضحة في مجالسه وأحاديثه.

يقول أحمد محفوظ: لم أره جازعًا يومًا كيوم ظهور كتاب «الديوان» للعقاد والمازني، متضمنًا نقد أشهر قصائده، وكان العقاد والمازني قد اتخذا من معارضة شوقي سبيلًا إلى الشهرة والدعوة إلى مذهبهم الجديد في الشعر، ومن هنا كان شوقي يعتمد على صحيفتي «الصاعقة» و«عكاظ» في مواجهة حملاتهما بمقالات كانت تُنشر بتوقيعات رمزية أو بدون توقيع أصلًا.

يروي أحمد محفوظ بعض هذه الصور فيقول: جاء هذا الصحفي لشوقي في صولت، وكنت أجلس معه في نفر من أصدقائه، فسلم عليه فلم يبش له، وأظهر الضيق به، لأنه كان يعتقد أن هذا الكاتب وأمثاله إنما يزورونه طمعًا في عطائه، وكنت قد قرأت مقالًا لهذا الزائر في الصباح في إحدى هذه الصحف، فأخذت أناقشه في بعض ما جاء في مقاله، عندئذ تنبه شوقي وتغير الحال، وبان التطلق في وجهه، ونظر إليه بعين غير التي كان ينظر إليه بها، ورحب به.1

أما فارسه الأول في هذا المجال فكان «فؤاد الصاعقة»، وصفه محفوظ بأنه كان لا يُجارى في سلاطة لسانه، وأنه كان يختار كلامه سجعًا مسمومًا، فكان يطلق هذه السهام على خصوم شوقي ببراعة، وكان له حصة الأسد في تقدير الشاعر العظيم له، ويليه الشيخ فهيم صاحب صحيفة «عكاظ»، وكان هؤلاء كوحوش السيرك إذا غفل عن أحدهم شوقي واسترخى سوط ماله عن إلهابهم، وثبوا عليه.

دعابة ومرح!

وكان شوقي يحرص على أن تضم مجالسه الدكتور محجوب ثابت وعبد العزيز البشري وفكري أباظة (الذي كان ينوب عنه في إلقاء قصائده في الاحتفالات والمناسبات)، وسر حرصه هو الرغبة في الاستمتاع بجو من الدعابة والمرح والفكاهة. وكان شوقي يتحدث كثيرًا في ندواته عن هجرته إلى الأندلس عندما نُفي إليها، وعن آثار هذه الهجرة التي أتاحت له الفرصة الواسعة لقراءة آثار الأدب العربي. يقول:

«جمعت عائلتي واصطحبت مكتبتي وغادرت مصر إلى برشلونة (وهو ثغر على شاطئ البحر الأبيض يشبه مرسيليا في المدنية)، فأدخلت أولادي المدارس الراقية، ثم عكفت على قراءة كتب الأدب العربي، فاستوعبت منها ما لم أكن قد استوعبت، وطالعتها كلها حتى أكاد أقول: إنه ليس في الأدب العربي كتاب لم أستوعبه خلال السنين الخمس التي مكثتها في إسبانيا، وقد ساعدني على ذلك طبيعة الجو اللطيف الذي يشبه جو الإسكندرية، وجمال المناظر التي تحاكي ضواحي الأستانة في رشاقتها ونظامها».

وكان شوقي يفاجئ زواره ورواد ندوته بأن يغادرهم فجأة بدون وداع، وربما يعود بعد قليل، وربما لا يعود. ومصدر ذلك في الأغلب أنه يكون قد أحس بالرغبة في إملاء شيء من الشعر، أو أن خاطرًا من الخواطر التي تتعلق بالنظم قد ملأ عليه مشاعره.

يقول سكرتيره أحمد عبد الوهاب إنه كان يدخل عليه فجأة فيملي عليه، ثم يقول له: «لا تبعد عني، حتى إذا جاءني شيء أمليته عليك». وكان يحدث كثيرًا أن يدخل زائر أو زائرون فيحدثهم ويحدثونه، حتى إذا انتهت الزيارة التفت إلي وقال: «اكتب»، فيسرع في الإملاء وأسرع في الكتابة، كأنه لم ينقطع، وكأن ذهنه لم يكن مشغولًا باستقبال أحد، بل كأن أحدًا لم يقطع عليه ما كان ذهنه يعمل فيه.

ولاحظ ذات مرة دهشتي من قدرته على نظم الشعر على هذا النحو، فقال: «لا تظن أن محادثتي للناس تعطلني عن عملي»، وقال صديق آخر إنه لازم شوقي ليلة في إحدى مجالسه على كوبري قصر النيل، وكان قد شرع في نظم قصيدة «النيل» التي مطلعها:

من أي عهد في القرى تتدفق
وبأي كف في المدائن تغدق

وكان كل نصف ساعة يركب مركبة خيل، ويسير في الجزيرة بضع دقائق، ثم يعود إلى المنضدة التي كان يجلس إليها، فيكتب عشرة أو اثني عشر بيتًا.

مسرحيات في وقت واحد!

وكان رد الفعل للتحدي الخطير الذي واجهه إثر اتساع حركة التجديد، هو اتجاهه إلى عمل (المسرحية الشعرية)، وكان ينظم في روايات أربع في وقت واحد، هي: قمبيز، وعلي بك، والبخيلة، وهدى.

يقول أحمد عبد الوهاب: إنه كان يشتغل في الأربعة معًا، فيملي علي قائلًا: اكتب في رواية قمبيز، ثم إذا انتهى قال: اكتب في رواية علي بك، وربما انتهى من الإملاء وقال: انتظر قليلًا، فربما يأتي شيء. ويقول: كنا أثناء قراءة (بروفات) مجنون ليلى أو كيلوباتره كثيرًا ما يقول لي: زد تحت بيت كذا هذا، ويملي أربعة أو خمسة أبيات، هذا وهو يسمع لي، ولم أكن قد انتهيت بعد إلى آخر الصفحة التي قال: زد في أولها كذا.

ويقول عبد الوهاب: إن شوقي كان إذا شغلته أشياء عن قصيدة طُلبت منه، ولم يتذكرها إلا قبل ميعادها بساعات أو عند طلبها، ابتسم وطلب أن يتناول صفار ثلاثة من البيض، ثم يبدأ في النظم.

أحداث لا تُنسى

وقد سُئل شوقي ذات مرة في أحد مجالسه عن أخطر الأحداث التي مرت به، فقال: إنه كان يجلس في قهوة في ميدان الأوبرا، ومعه أوراقه، وقد انتحى بها ناحية، وكان ينتقل بين العمل والأصدقاء حتى لا يخل بواجب، وفي الساعة الواحدة كان قد أتم ما عمل، فعاد إلى منزله، ولكنه بعد أن خلع ملابسه وراجع أوراقه وجد أن بعضها قد فُقد، يقول:
فارتديت ملابسي في الحال، وعدت إلى القهوة، فإذا أبوابها مغلقة، ولا أعرف منزل صاحبها، ولما كانت الأوراق المفقودة ذات أهمية كبرى، وقفت أمام الباب حائرًا لا أدري ماذا أفعل، وهل هي ما زالت على المائدة أم تناولتها يد، وكانت هذه الجملة ملازمة لدقات قلبي. وفي الساعة السادسة صباحًا جاء الجرسون، وكان يونانيًا، وعندما رآني أسرع الخطى وقال: «أنني بكرت من أجلك، وقد حفظت أوراقك عندي».

يقول شوقي: كانت هذه الجملة، مع عجمتها، من يوناني، من ألذ ما سمعت في حياتي، بعد أن وقفت أكثر من أربع ساعات مضطرب الفكر، فناولته كل ما كان معي، وكان حول العشرة جنيهات، وعدت فرحًا، ولم أنم بعد في هذا اليوم.

أما الحادث الآخر فكان عام ١٩١٥، وكنا في طريقنا إلى المنفى بإسبانيا، وقبل أن نصل إلى مارسيليا بقليل، علا الموج، فاضطربت السفينة، وأنذرنا بالخطر، فعلا الضجيج، وهذا فضلًا عما لنا فيه أنا وعائلتي من هم وتفكير مفارقة الوطن فجأة، فكانت ساعة هول عظيم، وكلما نظرت إلى ولدي (علي وحسين) ازداد قلبي رعبًا، وطار لبي. وبقينا أكثر من ساعة في عذاب شديد، حتى أراد الله وبشرنا رجال السفينة بزوال الخطر.

أكلة على حساب العقاد

وكانت مائدة شوقي تحفل بالأطعمة كما تحفل بالضيوف، وكثيرًا ما كان حافظ إبراهيم يقترح ألوانًا من الأطعمة ويحضرها معه، ويحضر البشري هذه الندوات ويفيض عليها من فكاهاته، ويظل حافظ والبشري يتطارحان. وكان شوقي يستطرف إثارة أحاديث بين زائرين مختلفين في وجهات النظر والرأي، وبعد أن يذكي نارها، يترك المختلفين في حوار عاصف وهو يبتسم (فإذا ذكت النار وعلا لهيبها وأنذرت بسوء العاقبة ولّى تاركًا الفارسين، وهما على وشك المبارزة بالألسن والأيدي).

ومن قصص ندوات شوقي ما رواه إبراهيم عبد القادر المازني حين قال:
كنت ذات ليلة أشهد رواية على مسرح رمسيس مع أمين الرافعي، فلما هممت بالانصراف، وكانت ليلة الجمعة، قال: تعال غدًا إلى الأخبار قبل الظهر. قلت: خيرًا إن شاء الله.
قال: نتغدى معًا، وسيكون معنا الشيخ جاويش. قلت: أين، وعند من؟ قال: يا سيد إبراهيم، تعال والسلام.

فحضرت، فذهبنا إلى (جروبي)، ثم قدمنا الشيخ جاويش في سيارة وانتظر فيها. فقمنا إليه وركبنا معه، وكان معه الدكتور محجوب ثابت، وعبد الحليم العلايلي، وحامد العلايلي (صهر شوقي)، وانطلقت بنا السيارات، وأنا أجهل إلى أين نحن ذاهبون، حتى بلغنا كرمة (ابن هانئ)، فهكذا كان شوقي يسمي داره القديمة في المطرية قبل أن ينتقل إلى الجيزة، فلم أستغرب شيئًا، واحتفى بي شوقي، فلم أستغرب أيضًا لأني ضيف.

وانصرفنا، وفي الطريق قال الشيخ جاويش: أظنك الآن غيرت رأيك في شوقي. فقلت ببساطة: «بأكلة»؟
قال: معاذ الله، ولكنك رأيت كيف يكرمك الرجل، وأنا أعرف أنه يقدرك ويثني عليك، وأنا أرى من الخير أن تكف عن نقده. فدهشت، فما كنت نقدت شوقي قبل ذلك.

هنالك مال الشيخ جاويش على أذني وأفضى إلي بالإشاعة التي كانت تملأ الأندية عن «الديوان»، فقد طارت إشاعة أني أنا ناقد شوقي والرافعي، وأن العقاد هو ناقد المنفلوطي، وتبادلنا التوقيع، فوضع اسمه على مقالاتي، ووضعت اسمي على مقالاته.

والمهم أن شوقي صدق هذه الإشاعة وأن إخوانه سعوا إلى إصلاح ذات البين. فلما سمعت الإشاعة على هذا النحو ضحكت وقلت:
هي إذن أكلة على حساب العقاد.2

خوف من الموت

وقد كان رواد ندوة شوقي يعلمون طباعه جيدًا، فلا يقحمون في مجلسه غير ما يريد من حديث، وقد عُرف عن شوقي أنه قليل الحديث، كثير الصمت، حتى إنه كان ينزعج إذا فاجأته بتحية أو بدأته بحديث وهو غافل، وكان يحب الحياة حبًا عظيمًا، ويخاف الموت خوفًا عظيمًا، ويكره أن يتحدث عنه، كما كان يكره غيره أن يتحدث عنه أمامه، فلا يُنعى ميت، ولا يُجرى الحديث عن الموت.

top-ads

# أحمد شوقي # تاريخ مصر القديم

حياة شوقي – لأحمد محفوظ.
الهلال م١٩٤٧.
عبث الأقدار وتلاعبها بالملك العظيم خوفو
ندوات لها تاريخ: مجالس الشيخ محمد عبده
أخناتون العائش في الحقيقة

معرفة